ابن عطية الأندلسي
83
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
أراد قالت : وقفت . وكقول القائل : [ زهير بن أبي سلمى ] [ الرجز ] . بالخير خيرات وإن شرّا فا * ولا أريد الشر إلا أن تا أراد : وإن شرّا فشر ، وأراد : إلا أن تشاء . والشواهد في هذا كثيرة ، فليس كونها في القرآن مما تنكره العرب في لغتها ، فينبغي إذا كان من معهود كلام العرب أن يطلب تأويله ويلتمس وجهه ، والوقف على هذه الحروف على السكون لنقصانها إلا إذا أخبرت عنها أو عطفتها فإنك تعربها . وموضع ألم * من الإعراب رفع على أنه خبر ابتداء مضمر ، أو على أنه ابتداء ، أو نصب بإضمار فعل ، أو خفض بالقسم ، وهذا الإعراب يتجه الرفع منه في بعض الأقوال المتقدمة في الحروف ، والنصب في بعض ، والخفض في قول ابن عباس رضي اللّه عنه أنها أسماء للّه أقسم بها . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 2 ] ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ( 2 ) الاسم من ذلِكَ الذال والألف ، وقيل الذال وحدها ، والألف تقوية ، واللام لبعد المشار إليه وللتأكيد ، والكاف للخطاب ، وموضع ذلِكَ رفع كأنه خبر ابتداء ، أو ابتداء وخبره بعده ، واختلف في ذلِكَ هنا فقيل : هو بمعنى « هذا » ، وتكون الإشارة إلى هذه الحروف من القرآن . قال القاضي أبو محمد : وذلك أنه قد يشار ب « ذلك » إلى حاضر تعلق به بعض الغيبة وب « هذا » إلى غائب هو من الثبوت والحضور بمنزلة وقرب . وقيل : هو على بابه إشارة إلى غائب ، واختلف في ذلك الغائب ، فقيل : ما قد كان نزل من القرآن ، وقيل : التوراة والإنجيل ، وقيل : اللوح المحفوظ ؛ أي الكتاب الذي هو القدر وقيل : إن اللّه قد كان وعد نبيه أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء ، فأشار إلى ذلك الوعد . وقال الكسائي : « ذلِكَ إشارة إلى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعد » . وقيل : إن اللّه قد كان وعد أهل الكتاب أن ينزل على محمد كتابا ، فالإشارة إلى ذلك الوعد . وقيل : إن الإشارة إلى حروف المعجم في قول من قال ألم حروف المعجم التي تحديتكم بالنظم منها . ولفظ الْكِتابُ مأخوذ من « كتبت الشيء » إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض ككتب الخرز بضم الكاف وفتح التاء وكتب الناقة . ورفع الْكِتابُ يتوجه على البدل أو على خبر الابتداء أو على عطف البيان . و لا رَيْبَ فِيهِ معناه : لا شكّ فيه ولا ارتياب به ؛ والمعنى أنه في ذاته لا ريب فيه وإن وقع ريب للكفار . وقال قوم : لفظ قوله لا رَيْبَ فيه لفظ الخبر ومعناه النهي . وقال قوم : هو عموم يراد به الخصوص ؛ أي عند المؤمنين . قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف .